إيقاعات الطبيعة وتجلياتها الهندسية
سعد القاسم
يتيح هذا المعرض الاستعادي متابعة التحولات التي مرت بها تجربة فنية على مدى سبعة وثلاثين سنة لتصل إلى ماهي عليه اليوم من فرادة في التعامل مع فن الغرافيك أحد أقدم أنواع الفنون البصرية، وما شهده هذا الفن من إضافات في المفاهيم والتقنيات.
منذ السنوات الأولى من عمرها بدأت عناية بتامل التفاصيل الصغيرة التي يحفل بها بيت عائلتها ذي العمارة التقليدية الدمشقية، وما تضمه فسحته السماوية الداخلية (أرض الديار) من أشجار ودوالي متعددة الشكال والألوان لا تترك لضوء الشمس إلا فراغات صغيرة يتسلل منها ليرسم على الأرض أشكالاً صغيرة وفيرة متبدلة في كل لحظة تتحرك فيها أوراق الأشجار.
وعلى سطح المنزل المملوء بنباتات أبيها، حيث كان يحلو لها الاستلقاء على ظهرها، كانت لها أوقات تأمل للسماء في تغير ألوانها بين شروق الشمس والقمر وغروبهما، وللغيوم المرتحلة فيها.
سرعان ما بدأت الصور المتجمعة في ذاكرة الطفولة تخرج إلى العلن، كانت البداية مع الرسم بالطباشير على برميل المازوت، ثم على دفاتر الرسم بالألوان المائية، وفي المرحلة الإعدادية كان لها لوحة جديدة في صحيفة الحائط المدرسية، تنتظرها المعلمات والطالبات كل أسبوع.
لم ترسم وجوهاً أو اشخاصاً ابداً.. فقط مشاهد الطبيعة وتفاصيلها متناهية الدقة.
اهتمت بالموسيقا وبقراءة القصص والشعر ومتابعة الفن التشكيلي بالمجلات، غير أن الرياضة أخذتها بعيداً عن هذا كله لسنوات عدة، وما أن بدأت العمل في مراسم مؤسسة هندسية حتى أيقظت الأحبار السوداء الموهبة الغافية فيها، فاندفعت تصمم لوحات بالأبيض والأسود مستحضرة ومستوحية حركة أوراق الأشجار حين يداعبها الهواء.
كان اختيارها دراسة الرسم الهندسي ترجمة لرغبتها في التوجه إلى التشكيل ومقدمة لدخولها عالم اللوحة، وقادتها صدفة سعيدة لتتعرف في مكان عملها الجديد على مهندس يملك مطبعة خاصة شجعها على تنفيذ رسومها بتقنية الشاشة الحريرية، فصارت تستأجر المطبعة خارج موسم العمل فيها لتقوم بالكثير من التجارب على الطباعة بتقنية الألوان على الورق المقوى ثم القماش وفي وقت لاحق تعلمت الحفر على المرايا، وعرضت عدة أعمال منها.
ومع مطلع القرن أنجزت لوحات لمجموعة من الجرار المنفذة بالألوان الزيتية. ومن ثم جددت أساليب الحفارين الأوائل باستخدام (الكليشات) على لوحات عملاقة. حيث وفرة طرق استخدام العناصر المحفورة على الكليشة يعطي احتمالات شكلية إلى الما لانهاية.
بعد معرضها السابق الذي حمل عنوان (إيقاعات شعرية) يأتي معرضها الاستعادي الحالي بعنوان أكثر انحيازاً إلى الجانب البصري، بتأكيد على الشكل الهندسي الذي تعود أصوله – ربما – إلى الأشكال التي كانت ترسمها أشعة الشمس على السطوح المتهادية عليها وهي تعبر الخشب المتشابك للشبابيك القديمة. غير أنه كسابقه يكشف عن ذلك الإحساس المرهف الذي تمتلكه الفنانة تجاه الشكل واللون بما يمنحها قدرة دائمة على اكتشاف، وإيجاد، التناغم الساحر بينهما في عوالم تجريدية لا نهاية لها تتسم أساساً بحيوية أنيقة مبهجة.
